محمد بن علي الشوكاني

360

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يجيبونك فما أظنك تنجو من شرهم ، ولا تأمن من معرتهم ، وقد يستحلون بذلك دمك ومالك ، وأورعهم يستحل عرضك وعقوبتك ، وهذا يكفيك إن كان لك فطرة سليمة ، وفكرة مستقيمة . ثم انظر كيف خصوا بعض علماء المسلمين ، واقتدوا بهم في مسائل الدين ، ورفضوا الباقين ، بل جاوزوا هذا إلى أن الإجماع ينعقد بأربعة من علماء هذه الأمة ، وأن الحجة قائمة بهم ، مع أن في عصر كل واحد منهم من هو أكثر علما منه ، فضلا عن العصر المتقدم على عصره ، والعصر المتأخر عن عصره . وهذا يعرفه كل من يعرف أحوال الناس ، ثم تجاوزوا ذلك إلى أنه لا اجتهاد لغيرهم ، بل هو مقصور عليهم ، فكأن هذه الشريعة كانت لهم لاحظ لغيرهم فيها ، ولم يتفضل الله على عباده بما تفضل عليهم . وكل عاقل يعلم أن هذه المزايا التي جعلوها لهؤلاء الأئمة رحمهم الله - إن كانت باعتبار كثرة علمهم ، وزيادته على علم غيرهم ، فهذا مدفوع عند كل من له اطلاع على أحوالهم ، وأحوال غيرهم ؛ فإن في أتباع كل واحد منهم من هو أعلم منه لا ينكر هذا إلا مكابر أو جاهل ، فكيف بمن لم يكن من أتباعهم [ 35 ] من المعاصرين لهم ، والمتقدمين عليهم ، والمتأخرين عنهم ! وإن كانت تلك المزايا بكثرة الورع والعبادة فالأمر كما تقدم ، فإن في معاصريهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم من هو أكثر عبادة وورعا منهم ، لا ينكر هذا إلا من لا يعرف تراجم الناس ، وكتب التواريخ ، وإن كانت تلك المزايا بتقدم عصورهم ، فالصحابة والتابعون أقدم منهم عصرا بلا خلاف ، وهم أحق هذه المزايا ممن بعدهم لحديث : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين